ads

08 March, 2013

العولمة والإسلام هل من علاقة ؟




يعيش العالم الآن على التداخل والتبادل بحيث بات انهيار الفواصل والحواجز مسألة وقت إذا كانت لم تنهار حتى الآن، ففي هذا العصر تجد المنتجات العابرة للقارات كالمنتجات الغذائية التي تنتجها شركات إخطبوطيه تمتلك الكثير من الأذرع في كل مكان وهذا يشير فيما يشير إليه إلى تقارب الثقافات وتقبلها لنفس الأسس والمعايير التي تتمتع بها هذه المنتجات ..

والمنتجات أو الشركات بشكل عام وجه في جسد النظام الذي بات عالم اليوم يعيش فيه وهو ما يسمى بالعولمة التي عرفت بطرق مختلفة بحسب متناولها ولذلك تجد المقولات عنها متمايزة ومختلفة بشكل محير فهناك من يرتمي إليها فيعرفها أنها التنظيم الطبيعي والمستحق لعالم المعلومات والتواصل الذي اذاب الحواجز باختلافها ومنهم من يحذر منها بشدة ويجعلها العدو الأول كما يفعل العديد من الشيوخ والمفكرين الإسلاميين ..

وبعيدا عن كل هذا اللغط في ماهية العولمة هناك تعريفات أكثر شمولية وأكثر حيادية حول هذا المفهوم ومن ذلك ما قاله ولخصه أ.د. عبد العزيز برغوث[1] بشكل يسهل إدراكه حيث قال : "تعرف العولمة بصورة عامة على أنها تلك الظاهرة التي برزت مع الأفكار الأساسية التي يبشر بها النظام العالمي الليبرالي الجديد، وتعني رفع الحواجز الجغرافية والثقافية والاجتماعية، وانفتاح الثقافات والحضارات الإنسانية على بعضها البعض بسبب تأثير الثورة التقنية والتكنولوجية والاتصالية والمعلوماتية؛ بحيث تزداد كثافة وسرعة وحجم الاتصالات والتعاملات والنشاطات الإنسانية بصورة تؤدي إلى عولمة الواقع البشري، وجعل البشرية كلها تعيش في ظروف نفسية وثقافية واجتماعية وحضارية توحد مصيرها وتعَولم مشكلاتها. ففي ظل هذا التعريف العام للعولمة ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والجغرافية والعمرانية يصبح المجتمع الإنساني وحدة واحدة أو كما يسمونه بـقرية الكرة الأرضية" ..

أي أن العالم في ظل العولمة يذهب إلى الانصهار في بعضه البعض لإنتاج هوية جديدة عالمية تؤثر في الهويات الخاصة بالشعوب لتنتج هوية جديدة تحمل مذاهب ومقاصد العولمة في داخلها مع المحافظة على الهوية الأصلية كإطار يحد بعض مظاهر العولمة كمثل الحاصل في اليابان أو حلول هذه الهوية الجديدة بشكل كامل ويعبر البعض عن ذلك "بالانسلاخ" عن الهوية الأصلية بشكل جذري كما حصل في تركيا اتاتورك ..

 وتتسم هذه الهوية العالمية الجديدة في أغلبها بهوية الجانب الأكثر معلوماتية حيث يملك أغلب وسائل التواصل والتأثير ووسائل الإنتاج فليس بغريب أن نرى الآن شيوع الثقافة الغربية عبر العولمة إلى جميع أصقاع العالم وعبورها إلى كل الهويات الأخرى ..

 يطرأ السؤال هل العولمة شيء مستجد على التاريخ أو أن التاريخ قد سجل من قبل مثيلا لها؟ قد يكون الجواب صعبا في ظل التعريفات الحديثة للعولمة لكن لو أخذنا الجزء الأسهل من تعريف العولمة وهو "العالمية" حيث يتقاسم العالم الأسس والمفاهيم الثقافية والاجتماعية مع تنحية دور الجغرافيا ومعوقات التواصل الأخرى فأننا سنجد أنفسنا نقف أمام الديانات السماوية والإسلام بشكل خاص ..

يقول رب العالمين قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً .. [2] ويفسر أبن كثير هذه الآية في تفسيره[3]بقوله: "يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد: ( يا أيها الناس ) وهذا خطاب للأحمر والأسود ، والعربي والعجمي ، ( إني رسول الله إليكم جميعا ) أي : جميعكم " بحيث لا يفرق بين الناس ـ والشعوب بطبيعة الحال ـ ولا يختص أحد دون أحد وهناك آيات أخرى تدلل على أن الرسول الأعظم أرسل بدين الإسلام إلى الناس كافة ومن المعلوم  أن الإسلام يحتوي على ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، وتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض ..

وقد ظهر الإسلام في جزيرة العرب في مهدة ثم توسع ليشمل البلاد من الهند إلى الأندلس وحكمها بشكل مباشر عن طريق الخلفاء في مراكز الدولة الإسلامية أو من خلال الأمراء والحكام المسلمين والمهم في ذلك أن كل هذه الرقعة الجغرافية بناسها ـ وشعوبها ـ قد ذابت هويتها في الهوية الإسلامية على نفس الأسس والمفاهيم الثقافية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام مرجعا الهوية المحلية لتلك الشعوب إلى الخلف أو استبدالها بشكل شبه كلي كما حدث مع الهوية العربية وهذا ما يجعلنا أمام العولمة مع الاختلاف في الظروف والقواعد المنظمة لكل من عالمية الإسلام وعالمية العولمة الحالية ..

إذا ما سلمنا إلى أن العولمة ليست بالشيء الغريب أو المستحدث على التاريخ فأننا نسلم أن العولمة كظاهرة ليست بالبعبع والخطر وهنا بالذات نصل إلى المشكلة التي تجعل عدد غفير من المفكرين والمثقفين يتخوفون ويحذرون من العولمة وهي الأسس والقواعد التي تبنى عليها هذه العالمية فالعولة الحالية يعاب عليها أنها تحول العالم إلى نسخة من الغرب كما أنها تحت يد قوى إنتاجية تسعى بأن يكون العالم كله سوق مفتوح لدرجة أنه في بعض الأحيان لا يكترث بشيء آخر غير الربح ..

إذا كنا عاقلين لن نحاول أن نغلق أبوابنا أمام مد العصر بل بمحاولتنا الاستفادة من الكم الهائل من المعارف والخبرات والممارسات التي تحملها العولمة سوف نكون في الأمام مع الاحتفاظ بالهوية إذا لم يثبت أنها تعيق التقدم والتطور ولم تكن محكمة بأمر ديني صريح وبين فكما يقال كل كلام ليس من القرآن والسنة يأخذ ويرد ..

ـتمـ










[1] مفهوم العولمة وتحليلها في ضوء الفلسفة الأخلاقية لرسائل النور ـ مجلة حراء الإلكترونية
[2] سورة الأعراف, الآية 158
[3] تفسير ابن كثير – دار طيبة سنة 2002 م

No comments: