ads

03 April, 2013

يوم المعكرونة



أنزل الموس تحت تيار الماء الخارج من صنبور المغسلة ثم رفعه إلى ذقنه التي يحلقها بنفسه منذ أن آمن أن الحلاق لا يفعل شيء سوى بيعه وهم أن وجهه أصبح مختلفا بعد الحلاقة بقوله " نعيما " ..

أصبح كل ما حوله ممل للغاية حتى وجهه الظاهر في المرآة قد مله، لم يبقى لأي شيء طعم، فكلمة التكرار الكلمة الوحيدة التي يمكن أن يكتبها عن حياته إذا رغب أن يكتب لناس قصة رجل يمشي بينهم يحسبونه أنجز كل شيء ..

حتى وقت قريب كان يؤمن بالأهداف الثلاثة لحياته ويعمل بجد لإنجازها فمنذ العام الأول من تخرجه وبدايته في العمل اشترى سيارة وبعد عامين تزوج وفي العام الفائت انتقل لبيته الجديد، بهذا الترتيب الرائع كما يصفه كل من حوله ـ وهو في العديد من المرات ـ فعل كل شيء بتعب لا ينكر ومتعة مفقودة ..

بالأمس حين اوى إلى الفراش قالت له زوجته "هل نسيت أن عشاءنا اليوم كان معكرونة؟ " "وكيف أنسى وهو عشاء الاثنين من كل أسبوع " " إذا أنت تعلم أنه يوم الاثنين وتعلم انه يوم المعكرونة لكن لا تعلم أنه يومك كزوج "..

بالنسبة إليه أصبح الزواج مجرد شيء كالأشياء البقية التي حوله كالمصباح كالباب كالأريكة؛ شيء لا يصلح أن تجعله هدف كي تحيا لأجله " لا أستطيع اليوم فعل أي شيء انا متعب من العمل للغاية" " وهل انا التي ترتاح طوال اليوم؟ لدي من العمل ما يرميني على الفراش كالميت"..

لقد كانت امام عينيه طوال حياته ـ كما هي عيناه امامه الآن في مرآة الحمام ـ متواضعة في الجمال، إلا انها تجيد الاعمال المنزلية؛ لذلك قالت امه انها اختارت له ولن يتزوج إلا من تختار وحين رآها في ليلة الخطوبة كانت أنثى أخرى لم يتعود عليها مليئة بالمفاتن التي لم تدركها عيناه من قبل، لم يخفق قلبه حين رآها تلك الليلة لكنه فكر في درجة إضاءة الغرفة في ليلة الدخلة ..

" هل سيكون لديها الكثير لأراه بوضوح؟ " هذا السؤال ما شغل تفكيره في ذلك اليوم ..
"ليست هذه المرة الأولى التي يتعبك العمل، وسبحان الله دائما تتعب يوم الأثنين" " ليس يوم الأثنين انه يوم المعكرونة " رد عليها وفيه بعض الغضب ثم جلس على طرف السرير مواجها الجدار الذي اصر ان يصبغه باللون الابيض طارحا كل رغباتها باللون البني في سرميك الحمام " ما يغضبك ليس لأني لا اريد بل لأنك تريدين اكمال يوم المعكرونة كما يقتضي الجدول وليس رغباتنا" ..

إحقاقا للحق لم يكن الشخص المناسب ليتكلم عن الرغبة فالبرود الذي يصل إلى السلبية ديدنه الذي لم يغادره حتى يعود أليه لا يملك رأي حول أي شيء يتعدى شخصه ليس لأنه يعشق هذا النوع من التفاعل مع محيطة بل لأنه آمن أنه يعيش في محيط يملك قوة سلبية هائلة لن تأثر فيه الايجابية التي يحملها " مهما تكلمت وفعلت لن يتغير شيء " ذلك قوله في ما يحدث حوله ..

"لقد تغيرت للغاية لم يبقى منك شيء اعرفه، وانا لم اعد سوى شغالة تقضي لك اعمال منزلك، كل شيء لديك لا يهم .. حتى انا كلي لست مهمة لك " بكت والدموع بعينيها صادقة .. لم تتمنى من قبل ان تحب فقصص الحب لديها خيالية حتى مع زوجها كانت تعتقد ان الحب مجرد خيال كل ما ارادت ان يكون لها زوجا تخدمه بعينيها ويسكنها عطفه وامانه هذا كل ما حلمت به يوما ..

اوشك ان ينتهي من الحلاقة حين سمع باب الحمام يطرق ثم جاء صوتها من خلفه "سأذهب لزيارة أهلي .. ربما سأكمل الاسبوع كاملا معهم " "تمام" ثم اكمل حلاقة ذقنه وكأنه لم يسمعها او كأنه لم يفهم انها تهدده بتركه فهي ليست من النوع التي تذهب إلى اي مكان بمفردها ..

حين خرج من الحمام كانت تمضي مبتعدة تسحب حقيبة كبيرة تكفي لقضاء اسابيع كثيرة أما عنه لم يكن الذي سيمنع حدثا جديدا في حياته المكررة ..


ـتمتـ


No comments: