ads

20 October, 2013

خياشيم

وحيدا جدا ليس هنا سواه ونقاط ضوء قادمة من البيوت القريبة كأنها فصوص بيضاء في رداء اسود ينشره الليل سريعا على الوادي, أطرق يستمع إلى الليل وكل ما سمعه كان صوت الضفادع وهي تعكر الصمت بنقيقها الذي لا ينتهي ..
من يعرف هذه القرية في غالب الظن انه يعرف مجنونها, لكن الأكيد انه لا يعرف انه شاب في العشرين من عمره, سبب جنونه كثرة تفكيره حتى بات عقله لا يعي ما هي الفكرة؟ وما هو الفعل؟ ما هو الممكن؟ وما يحتاج إلى الحذر والتجربة والاهم ما يجب ان يبقى مجرد فكرة. أهل القرية قالوا إنه مجنون بسبب تناوله المفرط للمشروبات الغازية التي يطلبها طلبا من زبائن الدكان الذين يهدونها له طواعية فهو ليس مجرد مجنون كالبقية انه المجنون الذي يستطيع حل معادلة جبرية من الدرجة الثالثة ..
طارد الضفادع بلا هوادة, بلا رحمة يقتلها بعصاة وكأن الضفادع هي صاحبة الذنب ومن يجب الانتقام منها وليس كل من سخروا منه اليوم وهو يقف بثيابه الرثة على القرب من باب الدكان ينتظر قدوم احد عمومته الكثيرين ليشتري له علبة "الكولا" الباردة التي يحبها بقدر ما يحب ان تناديه احدى بنات الحي ليحل واجب الرياضيات بنيابة عنها, لم يغرم بشيء اكثر من الارقام وعيون الضفادع الصغيرة التي يحاول جهده الآن ان يرى لمعانها من بين كل الدم المحيط بها ..
اطبق على ضفدع بيديه الخشنتين ونظر إلى عينيها وهو يشعر بكمية الالم التي تعانيه من حركتها الساعية إلى الخلاص من بين تلك الاخشاب التي نسميها نحن اصابع لكن لم يدم ألمها كثيرا ..
على الاقل بعد ان قتلها بيديه لن تشعر بالألم ..
راودته رغبة جامحة لتذوق الألم فمنذ زمن لم يعد يحس بشيء حتى ذلك الصداع النصفي الذي يحتل نصف رأسه في غالب الوقت لم يعد ذا معنى كأنه مزحة افسدها التكرار, والسخرية التي يتلقاها من المارة وهو نائم بالقرب من باب الدكان لم تعد تعنيه و لم تدفعه حتى لحمل حجر ليثبت انه ليس مجنون كما تعود أن يفعل اكتفى فقط بأن يحولهم لمجرد ضفادع يقتلهم في غروب كل يوم ..
بحث في الوادي عن شيء بلا ملامح لا يهم ما يكون بقدر انه يحمل الألم لقد استهوته الفكرة جدا فلما لا يعطي لنفسه قدرا من الألم؟
أحب انتفاضة يده وخوف اصابعه عندما غرز شوكة رفيعة بين لحم اصبعه واظفرها, لقد كان شعورا قاسيا جمع الحواس كلها في نقطة واحدة اجبرته على الصراخ والبكاء قبل ان يتوقف عن غرز الشوكة؛ فكلما زاد في دفعها لدّاخل زادت نبضات قلبه وزاد ضخ الدم في رأسه, حين اغمض عينيه ليستمد من ظلام عينيه صبرا رأى دوائر بلون فاسد بين السواد والزرقة يملأ سطحا أحمر, أحس وكأن اصبعه تحترق لم يكن في حسبانه ان النقطة القذرة التي يخجل ان تراها بنات الحي وهو يمسك القلم لحل المعادلات هي بوابة العذاب ..
غمس اصبعه في ماء الوادي البارد الذي يبدو انه يجري في مكان آخر لبرودته وحرارة الجو, هاله عدد السمك الصغير الذي يسبح في تلك البركة الصغيرة وقد آلمه ان هذه المخلوقات الصغيرة ترافق بعضها وهو المخلوق الكبير للغاية ليس معه أحد إلا نفسه ورداء رث لم يغسل يوما..  
نسى ألم إصبعه المغموس في الماء لم يعد الأمر مجرد رغبة في تذوق الألم بل رغبة في الاختيار, فإذا حصلت الاسماك الصغيرة على خياشيمها لأجل التنفس تحت الماء فهو الكبير سيحصل عليها إن قرر الحياة تحت الماء مثلها وقد أخذ بالحسبان انه سيحصل على مقدار جيد من الألم حين تتقلص رئتيه وتتحول إلى خياشيم ..
في المرة الأولى جبن ليواجه تحوله فأخرج رأسه وأطلق لرئتيه عنان الامتلاء بالهواء حتى إذا ما تراجعت انفاسه سحب نفسا مقتنعا انه الأخير وبعد ذلك النفس بأيام قال الناس انه مات غرقا ولم يعلموا انه اختار ان يعيش تحت الماء لا اكثر..


ـتمتـ

No comments: