ads

18 November, 2013

ناراتوفيليا




عندما يتحدثون عن تلك الفولة الشهيرة التى انقسمت إلى نصفين أتذكره، وعندما يتحدثون عن الحلة وغطائها يعتصرنى الحنين إليه. هل تبدو تشبيهاتى مبتذلة؟. ماذا تعنى الرصانة لامرأة مصابة بطلق نارى فى روحها؟


كانت صورته تتشكل فى أعماقى التى لا أعرف عنها شيئا ملموسا يمكننى من التعبير عنها بكلام مفهوم، لم تكن صورته فقط هى التى تتشكل بل مجمل تكوينه، رائحته، طريقته فى الحديث، عصبية أصابعه، حتى شاربه الخشن المتبل برائحة سجائره، حتى هوسه بتنظيف أسنانه وحذائه. كاد أمرى مع صورته التى تتشكل بداخلى يتحول إلى جنون محقق، ولكن لمن أبوح؟ أمى سترمينى بالفشل كعادتها عندما أحدثها عن شيء يخصنى لا تستطيع وضعه بين قبضتها، أبى دائما على سفر، ثم كل هذا العالم المحيط بى لا أحد، إننى أعيش فى دائرة هى الصفر الأكبر فى تاريخ البشرية. ثم بالفعل الأمر يبدو جنونا حقيقيا، كيف لابنة المدارس الفرنسية أن تشكل صورة لخشن يكاد يكون فظا ثم عندما تمنحه نظرة يتدفق رقة وحنانا؟

***

لماذا أصبحت أميل إلى ذكر أنصاف الحقائق وأحيانا أرباعها؟

كيف أسقطت ليلى من عالمى؟ هل لأنها دفنت البذرة فى أرضى؟

كنت فى العاشرة من عمرى عندما جاءت ليلى إلى منزل أبى لتنضم إلى قائمة الخادمات، كانت قادمة من مكان من الأماكن التى يغضب مجرد التلفظ باسمها أمى. كانت ليلى امرأة فى الخامسة والعشرين من عمرها عندما رأيتها لأول مرة (هل قلت امرأة؟) لم يكن بها من النساء شيء أى شيء اللهم إلا شعرها البنى الطويل الغزير. نكاية فى أمى التى لم تحب ليلى قط، جعلها أبى خادمتى الخاصة. لماذا كرهت أمى ليلى؟ ثم لماذا شمل أبى ليلى بحمايته من ثورات أمى؟ ثم لماذا بقيت ليلى خادمة لها هيبة كسيدة دار بينما باقى الخادمات يأتين ويذهبن دون ترك أثر؟ هل متولى زوج ليلى له علاقة بالصورة التى شكلتها لرجل حياتى؟

أربعة أسئلة فات زمن إجابتها.

ليلة أذكرها بكافة تفاصيلها جاء فيها متولى لزيارة زوجته، لا أذكر لماذا جن جنون أمى؟ لكن أذكر أن ليلى كادت تطير فرحا، أذكرها تستسمحنى لكى تغادر غرفتها التى بجوار غرفتى وتعد فراشا لها ولزوجها فى مخزن مهجور بحديقة بيت أبى.

لماذا تلصصت عليهما؟ لماذا سمعت آهاتها؟ لماذا اخترقنى كلامها له ثم لم يغادرنى ثانية؟ لماذا تعالت دقات قلبى وهى تقول له: "؟ اجعلنى عجينة بين يديك" ما الغامض الواضح الذى يحدث بداخل المخزن؟

لماذا كنت حريصة على تأمل وجه ليلى صباح اليوم التالى؟

كانت قد خلقت ثانية، هل أبالغ لو قلت أن نهديها قد تكورا؟

ستحبنى ليلى وستعلمنى ما كانت تصفه بـ (الحاجات والمحتاجات).

صباح الزيارة الرابعة لمتولى، ستفلت أعصاب أمى فتنادى ليلى وتخبرها أن اسمها صار منذ الآن "بسيمة".

سيتحاور أبى مع أمى بشأن الاسم الجديد لليلى، لن تقدم أمى سببا مقنعا، سيقول أبى لى: "أمك آية من آيات الغطرسة، هى لا تريد أن يكون للخادمة اسم يقترب من فخامة اسمها".

سيكون الاسم الجديد ثقيلا على قلبى ولكن ليلى ستبتسم لى ونحن منفردتين وتهمس قائلة: "الهانم تغار منى لأن سريرها بارد أخرس".



وقعت عيناى عليه لأول مرة عندما دعاه أبى لحفل تخرجى فى كلية الحقوق، لا أدرى كيف سيطرت على تشنجى وأنا أصافحه، قدمه لى أبى قائلا: "عندما يصل هذا الولد إلى الثلاثين سيكون أهم خبير زراعى على سطح الأرض". هز المهندس الزراعى رأسه وكأن ما يقوله أبى حقيقة واقعة لاشك فيها، أضحك الآن بمرارة لأن خبير زراعة أبى سيزرعنى أنا بنت أبى زراعة ستتركنى أرضا بورا إلى الأبد.

طوى النسيان هدايا تلك الليلة العجيبة وبقيت هديته الموجعة مثل ضربة خنجر، كرهى له لن يجعلنى أنسى. لقد أهدانى هديتين لا هدية واحدة. ببساطة وبدون ذرة خجل من بساطة هديته، أخرج من جيب معطفه وردة حمراء يتيمة، كان غصنها نديا وشوكها جارحا، قال لى بصوت واضح (حتى خفت أن يسمعه الآخرون): "أظنك تليقين بى، أكبرك بعامين فقط، فى الثلاثين سأصبح أهم خبير زراعى فى هذا العالم المتصحر، سآخذ بيدك لكى تصبحين فى الثلاثين أهم محامية دولية ".

قال جملته فتزوجنا.

***

كانت أنفاسى تتقطع وأنا أتابعه، فقط أتابعه، لم أستطع يوما اللحاق به، هو رجل من دهشة صافية، كل ما يصنعه كأنه يخترعه اختراعا.

فى الأسبوع الثالث من عمر زواجنا، فى تلك الأيام التى كانت أصابعه العصبية تتلمس طريقها لمعرفة مفاتيح جسدى قلت له متدللة: "سأغير من أجلك لون شعرى" افتعل ابتسامة صغيرة ثم قال بجدية: "شعرك هذا الأسود اللامع الناعم يذكرنى بشعر عانتك، لماذا تريدننى متخبطا ".

ضربت صدره بقبضتى وأنا مغتاظة من رده: "ألست وقحا"

ضحك بصفاء غريب قائلا: "لماذا لا تعترفين أن وقاحتى هذه تروقك وأن ردى هذا هو ما تتوقين لسماعه؟".

تحت وطأة خشونته الناعمة أدخلته إلى قدس أقداسى، لم أحتفظ لنفسى ولو بسر صغير، أصبحت عارية تماما أمامه، لم أندم على ذلك إلا بعد أن كرهته، أيامها كنت أقامر بورقى كله وبقلبى كله وبعمرى كله وبهواجسى كلها وبأحلامى كلها، أيامها لم يكن يخيب لى أملا، كان كما صورته وشكلته فى مراهقتى بل وأجمل.

***

ثم صعدنا معا. كم صحراء كساها بزرعه، كم قضية ربحتها؟ كل ما تمنيناه حققنا ما هو أجمل منه وأكبر، كنا كلما انفردنا نسخر من هيئتينا المخادعتين، خبير زراعى له صيت عالمى، ومحامية دولية ترطن بثلاث لغات، ثم فى ساعات الخلوة نعود المرأة الأولى والرجل الأول. آف، كل أمره مؤلم وموجع.

***

ما الذى حدث بعد موت أبى وأمى؟

ما الذى حدث بعد أن أصبح هو كل أهلى؟

ما الذى حدث بعد خطوبة ابنتنا الوحيدة بأربعة أيام؟ 

نحن الآن فى الخمسين من عمرينا، يكبرنى بعامين فقط، وأناديه فى ساعاتنا الخاصة بلقبه المحبب (يا أسدى) فيرد ضاحكا: "قرة عينى أنت".

إذن ماذا حدث؟




التى لها شهرتى لا تستطيع معاودة طبيب نفسى مصرى. سأنفق الآلاف من الدولارات، وسأتمدد على آرائك الأطباء النفسيين الأوربيين والأمريكان، لكى أعرف ماذا حدث؟ لم يستطع طبيب ولا طبيبة تنشيط ذاكرتى لكى أعرف لماذا ضربنى أسدى؟

عرضوا على مرة حقنى لتنشيط ذاكرتى فحطمت لهم الغرفة، فلم يعيدوا العرض ثانية.

كنت أقص على أطبائى كل القصة منذ ليلة هدية الوردة اليتيمة حتى أصل إلى لحظة الضرب، ثم أقف عاجزة مشلولة الذاكرة.

كان أطبائى يحصلون على دولاراتى ثم أحصل أنا منهم على هزة رأس ثم تمتمة تعنى أننى مصابة بحالة يسمونها الإنكار. طبيبة باريسية ستصبح فيما بعد كأنها صديقة تجرأت قائلة وهى تسلط عيناها على عينى: "أنت تنكرين ما قبل لحظة ضربك له، لأنك لا تريدين تذكر أسباب الضرب، علاجك بداخلك أنت فقط".

***

كل ما كان حبا أضحى كرها جهنيما ينفث سمومه فى قلبى، كنت مدركة تماما لكل أبعاد الكارثة التى ضربتنى وأنا فى الثانية والخمسين من عمرى، المحامية الدولية الشهيرة مضروبة ومهانة وذاكرتها مشلولة ومطلقة.

المحامية الدولية الشهيرة، يعوى جسدها كل ليلة فتشعر كأنها كلب وحيد جائع، المحامية الدولية الشهيرة تصطاد رجلا.

***

تاملت كل تفاصيل كارثتى فوجدتها تافهة. ارتحت إلى حقيقة أننى أنا التى صنعت الخبير الزراعى وجعلت منه أسدا، سأصنع غيره.

كان الخبير بى، خشنا ناعما وقحا مهذبا نشيطا كسولا فوضويا مرتبا، كانت تناقضاته تجعله الدهشة تمشى على قدمين.

حرصت على أن يكون رجلى الجديد مختلفا كل الاختلاف عن خبير كارثتى. أستطيع بسهولة وصف رجلى الجديد كأن أقول إنه أشقر حليق اللحية والشارب، طويل يجيد أربع لغات، ماهر فى جراحة المخ والأعصاب، ربما يمر عليه الأسبوع بدون أن يبتسم ولو ابتسامة صغيرة، ينام مبكرا ويصحو مبكرا، نظيف كأنه معقم، لا يهتم بشيء خارج إطارعمله. هل هكذا أكون قد وصفته؟ إذن لماذا يبدو لى كأنه بلا ملامح؟

***

فى ليلة سريرنا الأولى، دخلنى بآلية، كأنه يمسك بمشرط جراحته، قلت له متوسلة: "قل شيئا". قال وهو لا يزال يعمل بآلية: "أنت جميلة".

قلت وأنا أكاد أموت من المهانة: "قل شيئا آخر" قال: "أنت جميلة جدا".

تركته يعمل ورحت أجتر زئير الأسد وصهيل الحصان ولدغ النحل، كنت أجتر عصبية أصابع خبيرى وهى تخطط حدودى ثم تعود لتبعثرها، كان بعيدا جدا لا أمل فى استعادته، كان قريبا جدا وشاربه المتبل برائحة سجائره يدغدغ شفتى السفلى فأرتعش ثم أنتبه إلى أن جراحى لا يزال يعمل فأبكى متحسرة.

***

أكدس الشهرة والنفوذ والمال بل والجمال ولكننى أشعر بأننى فارغة، كيف وحالتى هكذا سأنتقم من ضاربى؟ لم أعد أهتم بمعرفة سبب ضربه لى، قاطعت كل عيادات الطب النفسى، لقد ضربنى وأنتهى الأمر.

بإصرار غريق على النجاة رحت أتتبع خطوات خبير كارثتى، هو الآن يصعد فى الشأن العام، يحل ضيفا على برامج المساء وتحاوره الجرائد بوصفه خبير الزراعة صاحب الآراء السياسية الثورية، صاحب الآراء الثورية هذا كنت يوما لبؤته التى لا يدخلها قبل أن يقبل أصابع قدميها، كان يعطرنى بيديه كان يضفر لى شعرى، كان وانتهى ولابد وأن أهزمه هزيمة مذلة.



لست مجنونة ولكننى عازمة على الانتقام، كما يصنع رحت أصنع، يظهر فى برامج المساء فأظهر فى ذات البرامج فى اليوم التالى على ظهوره، الجرائد التى تحاوره تحاورنى، زدت بأن بدأت بمنهجية أكذب كل كلمة يقولها، حتى عندما يتكلم فى تخصصه، أكون له بالمرصاد، فإن قال إنه يمكنه زراعة أرض معينة، أرد أنا بأن تلك الأرض أثبت أكثر من خبير أن زراعتها مستحيلة.

خطوت خطوة إضافية بأن شكلت فريقا يتبنى وجهات نظرى التى تكذب وتسخف ما يقوله، لم يكلفنى تشكيل الفريق أكثر من دعوات على العشاء فى فندق فاخر وبعض الدولارات.

أبدا لم يصلنى أنه أهتم بمعارضتى له، كنت أنتظر على أحر من الجمر عودة ابنتنا من زيارته، أسالها مباشرة: "ماذا قال عنى؟".

تجيب بهدوء الصادقين: "لم يذكرك بكلمة".

إنه يواصل صعوده كأننى لا شيء، كأننى لم أكن شيئا مر فى حياته، كان تعاليه يدمر ما بقى لى من أعصاب، فأسعى للهدوء فى حضن جراحى لكننى وأنا فى حضنه لا أستطيع تحديد ملامحه، فتستولى على شهوة انتقام عارمة من الذى كان يوما أسدى، أقوم بتدليل بل بإغواء جراحى أمام الناس، أى ناس تجمعنا بهم أى مناسبة، بل كنت أحرص على التقاط صورى ورأسى ترتاح على كتف جراحى، ومرة ​​أوعزت لأحدهم بأن يلتقط صورة لى وأنا فوق ركبتى هذا الرجل الذى لا أستطيع تحديد ملامحه، يقينا كانت صورى تصل إليه لكنه لم يرد بكلمة.

***

كلفت الحكومة الذى كنت يوما لبؤته قرة عينه بأن يسافر إلى روما لكى يحصل على مساعدة مالية تستغلها الحكومة فى نزع ألغام منطقة العلمين تمهيدا لزراعتها، عندما قاربت مفاوضاته على النضج، سافرت بصحبة فريقى خلفه، استطعت جمع حشد من حثالة الإيطاليين ومن حثالة المهاجرين المصريين غير الشرعيين، وتظاهرت معهم أمام مقر وزارة الخارجية الإيطالية، رفعت لافتات وهتفت بهتافات تتهم الذى كان أسدى بأنه لص مخادع لايريد نزع الألغام بل يريد تدمير محميات طبيعية لكى يبنى فوقها فنادق.

ليلة المظاهرة جاء إلى بهو الفندق الذى نزلت فيه، لم يصعد إلى جناحى، استدعانى عبر هاتف الاستقبال، هبطت إليه صاغرة كأنه الرب الذى لا راد لأمره، لم يصافحنى ولم ينفث حتى دخان سيجارته فى وجهى، سلط عيناه على عينى وقال: "كفى عن سخافاتك فهى لن تعرقلنى، لا تدعى بلدا صنعك يدفع ثمن ذنبك الذى تنكرينه، هذا الرجل الآلى الذى أصبح زوجك لن يشبعك، هو لن يعرف مفاتيحك أبدا ".

***

فى وحدة مستشفاى النفسى، كان الوقت كافيا لفحص كل كلمة من كلامه، لقد أشار فى بهو الفندق إلى ذنب اقترفته فضربنى بسببه، هذا الرجل أصبح مخبولا، هو يظن أن شيئا بينى وبين صديقه، هذا الرجل مجنون، لقد تحدث عن قبلة أو عن لمسة، لا لم يحدث شيء، يقينا لم يحدث شيء، عندما دخل علينا، كنت أضحك فى وجه صديقه فقط، نعم كنت فقط أضحك. أف أريد أن أنسى.

جاءتنى الطبيبة وراحت تحدثنى: "سيدتى يؤسفنى أنك مصابة بمرض نادرا ما يصيب النساء، أنت مصابة بالناراتوفيليا، اختصارا سيدتى أنت مولعة بالبذاءة فى الفراش، تحتاجين إلى رجل يدخلك وهو يهمس فى أذنك بأنك لبؤته المستحيلة ".

كانت الطبيبة تتكلم ثم تتكلم ثم تتكلم بينما شوك وردة حمراء يتيمة ينغرس فى كفى فيتفجر دمى فتشملنى سكينة تهدهدنى.

No comments: