تلاحظ في كل الفلسفات والديانات والمذاهب في العالم ضديات غير حقيقية كضدية الزهد والإسراف مثلا, فإما أن تترك لذة الدنيا كلها كما في البوذية والصوفية وتتحول لمتسول أو أن تقبل على لذائذ الدنيا بقوة كما في المذاهب الأبيقورية, كمذهب أبو العتاهية مقابل مذهب أبو نواس مثلا, كلاهما متطرف, ولكن في المنهج الطبيعي المسلم لا توجد هذه الضديات بل يوجد حق وباطل وهو الذي على الإنسان أن يهتم به, فهذا الزهد والتقتير على الذات وتحريم كل المتع ليس فيه منطق, فهناك تمتع بظلم وهناك تمتع بحلال أليس بينهما فرق؟ فتمتع كبير بحلال ليس مثل تمتع قليل بحرام, فالمسألة مسألة حق وباطل وليس إسراف أو زهد فهذه مفاهيم غير واضحة, إذا لخصت كلمة زهد أو تبذير تكون مسألة كثرة أو قلة, والكثرة والقلة ليست بحد ذاتها رذيلة الرذيلة هو ما تقترن به, مثلما أن الكرم والبخل غير مقترن بالكمية, فربما من يدفع درهما ويسمى كريم ومن يدفع دينارا ويسمى بخيل.
هؤلاء الزهاد يحاولون أن يؤثروا الدوائر الشعورية العليا ويلغوا الدوائر الشعورية الدنيا, ولكن المنهج الطبيعي يدعو لإيثار الدوائر العليا مع إعطاء الدوائر الدنيا حقها, قال تعالى: {وابتغ في ما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}, متع الدنيا الله من وضعها في الأرض وحلاها لنا فكيف تكون حراما علينا؟ {قل من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق}, والله يعدد لنا النعم في القرآن ولكن الزهد يرمي بهذه النعم, فهم لا يريدون الزواج ولا المال ولا الزينة..إلخ, زد عليها قبح التسول, وهذا تعطيل للطاقات التي أعطاها إياهم الله وسيسألهم الله عن هذه الطاقات لماذا لم يعملون بها. الزهد الحقيقي هو زهد في الحرام وليس زهد في الحلال, زهد في الخبائث وليس زهد في الطيبات. المشكلة أن كثير من هؤلاء تجدهم كانوا منغمسين في الماديات فيتألمون من وضعهم ثم تأتيهم ردة فعل ويتركونها كلها, ويقولون كما قال بوذا (أنا أرغب إذن أنا أتألم) وهذا تطرف, وبوذا كان من أمير غنيا, وحتى أبو العتاهية كان مترفا في شبابه.
المنهج الطبيعي المسلم يتبع الحق أينما ذهب, وليس منهجا وسطيا بين الطرفين, فالمنهج الصحيح ليس وسطا بين الإسراف والزهد مثلا.
أرسطو يقول بين الإسراف والبخل يكون الكرم فبالتالي الفضيلة وسط بين رذيلتين -وهو ما يسميه الوسط الذهبي- ولكن هذا غير دقيق, فالمعرفة مثلا هل علينا أن نتوسط فيها؟ فنأخذ قليلا من المعرفة وقليلا من الجهل؟ مع أن معلمه سقراط حدد الفضيلة كلها بالمعرفة!
الفضيلة لا تأخذ من الرذيلتين شيئا, بل هي خط مستقل, فالفضيلة ليس مزيجا من الرذائل, لأن مزيج الرذائل رذائل, الزهد تقابله المادية ولكن هذا لا يعني أن نأخذ من كليهما قليلا حتى نكون على المنهج الصحيح, بل علينا أن نكون في خط ثالث مختلف, فصار صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين, والمغضوب عليهم هم الذي وصلتهم دعوة الحق ورفضوها والضالين الذين يبحثون عن الصواب ولكنهم يسلكون المسلك الخطأ, والله قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فالطريق الصحيح هو غير الطرفين وليس بينهما و ناتجا عنهما, فكلمة القرآن "غير" أدق من كلمة أرسطو "بين", فالصراط المستقيم لم يأخذ قليلا من المغضوب عليهم ولم يأخذ قليلا من الضالين لينتج الوسط الدياليكتيكي ليهجل الذي سيكون له ضد فيما بعد, وربما أن هيجل طور فكرة أرسطو إلى فكرة الديالكتيك التي مضمونها أن من متضادين ينتج شيء ثالث يحمل معه نقيضه فينتج عنه شيء رابع وهكذا حركة الحياة من وجهة نظره.
قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وجود شيء ثالث بين اثنين سيعني أنه وسط, وليس بالشرط أن يكون أخذ من الطرفين, إذا اعتبرنا أن الإسلام وسط بين المسيحية وبين اليهودية هذا يعني أنه غير موجود! بل جزء من هذا الدين وجزء من ذاك اجتمعا وركبا شيء ثالث يعود أًصله إليهما!
المنطق الأرسطي يجعل الرذيلة هي الأصل وأن الفضائل عالة على الرذائل, مع أن العكس هو الصحيح, فالإسراف أصله كرم والحسد أساسه حب وإعجاب, والبخل أساسه اقتصاد وتدبير. الرذائل أصلا ليس لها أساس موجود في الفطرة والطبيعة -لهذا أسميناها الأفكار الصناعية أي مصنوعة- فكيف تكون أصلا؟ الرذائل طارئة والفضائل هي الأصل. ولا توجد رذيلة إلا وتركب على ظهر فضيلة, ولولا الفضيلة لما وجدت الرذيلة وليس العكس, ولولا التمر لم يكن الحشف, ولولا الحياة لم يكن القتل, ولولا الرزق لم تكن السرقة, ولولا النعمة لم يكن الحسد ولا الغيرة.
الوسط الذي يدعو إليه البعض هو الوسط التركيبي الضعيف وهو ما يتحدث عنه أرسطو, فهو كأنه مداهن يريد أن يرضي الجميع, أما الوسط الحقيقي هو وسط بين ضلالات كما قال تعالى: {يخرجكم من الظلمات إلى النور}, فبين الشيوعية والرأسمالية يوجد النظام الاقتصادي الإسلامي ولكنه لا يأخذ من كليهما.
No comments:
Post a Comment