ads

07 November, 2013

فكرة و تعليق : حول آية (لا إكراه في الدين) ..

قال تعالى في كتابه العزيز : 

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256]

وقد دارت تساؤلات حول هذه الآية ، وأهم هذه التساؤلات : هل الآية تعني أن الإنسان مُخيّر في اختيار الدِّين ؟

* وإجابة على هذه التساؤلات أجاب البعض : أن اختيار دِين سماوي ليس على إطلاقه أنه اختياري ، بل اختيار دِين الإسلام فحسب ، إذ لا يُقبَل من أحد دِين غير دِين الإسلام بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

# ولكن من الذي لا يقبل ؟ هل المقصود الله ؟ نعم الله لا يقبل ، و لكنه توعده في الآخرة وليس في الدنيا .. إن كلمة " لا يُقبل" غير موضّحة ، أما نحن فالقرآن وضح دورنا فقال ( يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتهم) ، ولم يقل : لا تقبلوا اي احد يضل في العالم ولا تسمحوا له وبالقوة أجبروه ! ما دام انه هو استحب العمى على النور .. والحياة قصيرة وسوف يواجه ربه ..

والله أمرنا بدعوة الضالين اليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهذا لا يعني الإكراه ، لأن الإسلام أخلاق ، والأخلاق لا يُكره أحدٌ عليها ، قال عليه الصلاة والسلام (اذا لم تستح فاصنع ما تشاء) .. أي لا يستطيع احد ان يجبرك على ان تستحي ، لأن هذا شأن في ذات الإنسان ولا يفرض عليه من الخارج ..

وقد قدّم القرآن لنا الحكم القطعي ، وهو : لا إكراه في الدين .. وليس بعد أحكام الله أحكام .. ولا يصلح تأويل الكلام الى ضده ، لأن هذا الغاءٌ له ، فاي تأويلٍ ينتج الضد فهو إلغاء للاصل ..

اذا كان الله لم يُكرِههم وهو رب العباد وقادر على ذلك ، فكيف بالعباد أن يُكرهوا العباد وينشغلوا بذلك عن انفسهم ، والله يقول : (عليكم أنفسكم) ؟

وما قيمة دين يُجبَر الانسان عليه ؟ هذا ليس تكريما لهذا الدين ، الدين الحق يأتيه من يبحث عنه ويريده ، لا أن يُكره عليه ، قال تعالى (أفنلزمكموها وانتم لها كارهون) ، وهذا الاستنكار يدل على ان فعل الإكراه يستنكره الله ، وبالتالي المؤمن يستنكر ما استنكره الله .. بل حتى عاتب نبيه وقال (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وقال (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا) ، و آيات كثيرة تساند معنى (لا إكراه في الدين) ..

الله يريد ان يختبر عباده ، لا يريدهم ان يُغشّشوا في الإختبار ، والاختيار والاختبار بحاجة الى حرية ، حتى تتبين النتائج ..   

* وقد استدل أصحاب هذا الرأي على ما سبق بقوله تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

وقوله صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار . رواه مسلم .


# ولكن كل هذا متعلق بجناب الله ، وقال تعالى أن مأواه النار ، اي عند الله وليس في الدنيا ، لأن الدنيا ليس فيها نار جهنم ، ومع ذلك قال تعالى (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، لأن الديانات السماوية اساسها الإسلام ، قال تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) ، أي اسلام النفس لله وحده دون شريك .. لاحظ أنه ذكر اليهود والنصارى والصابئة و قال : لا خوف عليهم ، اذا امنوا بالله واليوم الاخر وعملوا صالحا ، و هذا كلام الله ..

* وقالوا : لأن دِين الإسلام ناسخ لما قَبْله من الأديان ، لأنه خاتمة الأديان .

لقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) .

# نعم هذا كلام صحيح ، هو المهيمن وهو الافضل ، ولكن لا ننسى الآية السابقة على شرط ان يؤمنوا بالله واليوم الآخر و يعملوا صالحا ، بدليل أنه قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران : 64]

فلو لم يتولّوا فهذا يعني قبولهم واعتبارهم مسلمين ، لأنهم لمّا تولوا قيل لهم : اشهدوا بأنا مسلمون .. العبرة ليست بالشكل بل بالمضمون ، وقد قال تعالى (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران : 113]) وطبعا هم ليسوا يتلون القرآن ، وقال تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران : 75]) ، والايات السابقة تبين ان المقصد هو نية الايمان وحب الخيرات ، وليست الاهمية للآليات والكيفيات ، لأن النية هي الاساس . والدين اخلاق في اساسه ، اخلاق مع الله ومع الناس ، وأي اختلاف في الاخلاق مع الله يعني وجود خلل ، فالشرك مع الله عدم احترام لله ، وادعاء الغيب عدم احترام لله ، وتأويل كلام الله وتحريف كلامه عن مواضعه هو سوء اخلاق مع الله ، وهكذا .


قال تعالى عن اهل الكتاب : (وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) ) أي : من اي دين ومن اي ملة ، ومن هذا نفهم أن المقياس ليس نوع العقائد او كيفية العبادة بقدر ما هي النية الصادقة المخلصة لله ، وإلا لكان الناس أيضا عالمين بالمتقين . ومن الآيات السابقة أن المقياس هو النية والاخلاق ، فحب في الله و حب في الخيرات ، وإلا فالجميع يعلم من القرآن حتى أن كتبهم كانت محرفة التي يتلونها آناء الليل وأطراف النهار ، ولولا تحريفها لما بعث النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، لكن الله علم بنيات هؤلاء وعدهم من الصالحين ، ولم يشترط أن يكونوا مؤمنين بدين الإسلام ، بل مدحهم على حالهم ، وذم البقية منهم ، بظلمهم وسوء اخلاقهم وعدم احترامهم لآيات الله .. 

لاحظ قوله تعالى (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) مع أنهم غير مسلمين على بعثة محمد . لاحظ أن القرآن ركز على النية ولم يركز على العقيدة .

وقال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (23) ) وطبعا لا ينبغي تعميم مشروطٍ الا بشرطه ، والا يكون تألّيا على الله ، فلا نقول عن اي غير مسلم قبل ظهور الإسلام أو بعده بان كل ما عمله هباء منثورا ، الا اذا تحقق الشرط ، وهو الا يرجون لقاء الله و يستكبرون في انفسهم كما ذكرت الآية الكريمة .. فالاجتزاء والتعميم من القرآن لا يجوز .. خصوصا ونحن نقرأ قوله تعالى عن اهل الكتاب الغير مسلمين بدين النبي محمد : (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) ، والله ايضا قال (ليسوا سواء) فلماذا نقول هم سواء وكلهم كفار وفي النار ؟ ألسنا متبعين للقرآن ؟ وإذا كانت عقيدتهم سواء فنياتهم ليست سواء ، مثل ما هو حال المسلمين ايضا ..

دين الله والتقرب اليه ليس له هوية محددة مقننة ، إلا بمدى أخلاقيتها ، فالله واسع عليم ، وهو الصمد أي المقصود . والله يبلو السرائر قبل ان يبلو العقائد . و السرائر لا يعلمها الا الله .. اذن لا مصلحة للمسلم في الاهتمام بتكفير اي احد ، بل عليه نفسه ، كما أمره الله : (عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) .. هذه مفاهيم يقدمها القرآن بوضوح وليست من اختلاق احد او فلسفته او إعمال عقله . إنها تعليمات من الله تنتظر الإتباع وجاءت بنص الله المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

و قال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32)) وهذا يعني ان شكوى الرسول الوحيدة لربه يوم القيامة على امته التي بعث إليها هي انهم اتخذوا هذا القرآن مهجورا ..

وهذا يبين خطورة الهجر ، بكل أشكالها ، ومنها أن يقدّم شيء عليه أو تهمل بعض أحكامه و آياته ، أو تقدّم تاويلات بعيدة تبتعد عن بيانه أو جعله درجة ثانية ، أو وضع أسس أخرى معه ، أو الإكتفاء ببضع مواضع منه وإهمال الباقي أو نسخها ، أو التحكم به و توجيه مقاصده ، ولاحظ كلمة "مهجورا" فهي اسم مكان للهجر ، ولم يقل : هجروا القرآن بالكامل ، أي أنه يُهجر منه ويؤخذ .. اي يتكرر الهجر بأشكال وأنواع . مع أن الله اراد ان يؤخذ كلامه كله بلا اجتزاء ، ولا معقب لكلمات الله باي صور التعقيب ، من نسخ او تغيير او تأويل او تقديم كلام بشر عليه ..   

* وقيل عن أن قوله تعالى : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ليس معناه أنه لا يُجبر أحد ولا يُكرَه على دِين الإسلام ، وذلك لأمور ، منها :

الأول : قوله تعالى في بقية هذه الآية : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .

وهذا يُفيد أن الإيمان هو الملجأ وهو الْمُنقِذ .


# ولكن هل قوله تعالى (قد تبين الرشد من الغي) ينفي حكمه و قوله (لا اكراه في الدين) كقاعدة عامة ؟ بل إنه يؤيده ، فكل شيء يتبين يضع الانسان في الاختيار ، كأن تقول لتلاميذك : لا ألزمكم ولا أجبركم ، فقد عرفتم بعد أن تبين لكم طريق النجاح والتفوق وطريق الفشل والرسوب .. والتبيّن من شروط الاختبار وحرية الاختيار ، فأنت لا تختار بين امرين مُلتبسين .. اذن هي تؤيد قوله تعالى (لا اكراه في الدين) ..

ولو كان الله لا يعنيها وقد قالها ، فهل سبحانه وتعالى يقول ما لا يعني ؟ ولماذا يقولها إذا كان لا يقصدها ؟ ما الفائدة من وجود الآية اذن ؟

ثم كيف يأتي هذا التأويل معاكسا لصريح اللفظ بالكامل ؟ ولا توجد آية تناقض هذا اللفظ الصريح ، اذن حكم الله واضح في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..

* وشبهوه بقوله تعالى : (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وأن هذا ليس على سبيل التخيير ، فإن الله قال في تتمة الآية : (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) فهذا بيان لسبيل الفريقين ، ولِحَال الطائفتين : المؤمنين والكفّار .

فهذا سبيل النجاة ، وذلك سبيل الهلاك

# وهنا تساؤل : هل كان يجب الا يوعدوا بالنار حتى يعتبرون مخيّرين ؟ أي تخيير مبني على تحمل المسؤولية ، فبدون مسؤولية يُعتبر فوضى .. كل تخيير يترتب عليه تبعات ، سواء في الدنيا او في الآخرة ، عقلاً ..

وهكذا يتضح ايضا ان الإدانة والعقاب في الآخرة و بيد الله ، هو الذي يجعل اي احد من الناس مُدان وهو الذي يتولى عقابه ، والله عليم بالظالمين ، لأنه هو وحده من يعلم السرائر ، و القرآن مليء بآيات التخيير ومعها الوعيد لمن يكفر ، و المكافأة لمن يسمع ويطيع ..

ألسنا نعتقد ان الإنسان في اختبار ؟ على هذا : هل يوجد اختبار بدون اختيار ؟ بل حتى من يعتقد بدين الاسلام هو في اختبارات في كل لحظة ، فليست المسألة أنه مسلم وأنتهى الامر واصبح في الجنة ! والله قال (وقد خاب من حمل ظلما) اي من الجميع ، مسلم وغير مسلم . فالله لا يقبل الظلم لعباده ، والله حرم الظلم على نفسه ، فكيف يبيحه للمسلمين بحجة أنهم قالوا لا إله الا الله ؟ وقول لا اله الا الله ، الله هو من يتحقق من مصداقيتها ، لانه هو من يعلم السرائر ، ولو شاء الله لجعل كل الناس مؤمنين ، لكنه خيّرهم وجعلهم احرار بين الايمان والكفر . ولهذا جعل الله جنة وجعل نارا ، و اذا كان الله من خيّرهم ولم يكرههم ، فمن باب اولى بالنسبة لنا نحن البشر ألا نـُكره احدا ..

وكلمة (لا إكراه) عامة ، على الله وعلى المسلمين ، قال تعالى (فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر) ونحن قدوتنا رسول الله ، وهو خير من وعى هذا الأمر فذكّر ولم يسيطر ، ألم يقل في فتح مكة لأعداءه المهزومين (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ؟ ولم يشترط عليهم أن يسلموا فضلا عن الانتقام لما فعلوه ضد الإسلام والمسلمين ، ولا يمكن أن يكون قتل رجلا منهم وهو متعلق باستار الكعبة لأنه سب الرسول ، بينما أطلق بقية القرشيين وكلهم سبوه وآذوه وقتلوا اصحابه أكثر مما فعل ، هذا عدا حرمة المكان الذي قال فيه تعالى (ومن دخله كان آمنا) ..

و آية (لا إكراه) تنفي كل صور الإكراه ، حتى بين التابعين للدين . الا التذكير .

ومثل ما اننا لسنا مسؤولين عن عقابهم ولا ادانتهم في الآخرة ، فكذلك لسنا مسؤولين عن الادانة او العقاب في الدنيا، لانها تتعلق بالسرائر ، لان كلمة "دين" تتعلق بالسرائر وليس بالمظاهر ، فالمنافق يستطيع ان يتمسك بالمظاهر مع ان سريرته خاربة ، وهذا يعني ان الدين يتعلق اساسه بالسريرة ، وكشفه يحتاج لمعرفة السريرة ، و لو كان هناك اكراه لفعله الله قبلنا . و ما يخصنا هو : (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (فذكر انما انت مذكر* لست عليهم بمسيطر* الا من تولى وكفر* فيعذبه الله العذاب الاكبر* انا الينا ايابهم* ثم ان علينا حسابهم) ..

اذن حساب الناس على الله وليس علينا كمسلمين ، حتى من تولى وكفر .. بل علينا التذكير وتقديم الصورة الحسنة غيرالمشوهة عن المسلم ، والعاقل خصيم نفسه ، والله سيرث الارض ومن عليها و سيحاسب الجميع الحساب العادل الاوفى في الآخرة .. 

ثم ينبغي أن نذكر ان النجاة والهلاك في الآخرة وليسا في الدنيا ، كما ذكر القرآن : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) ) وهذا طبعا في الآخرة ..

* وأضافوا أن مقصد الآية هو على سبيل التهديد ، وليس على سبيل الاختيار .

# ولكن ذلك مِن مَن ؟ ومتى ؟

إنه من الله ، وفي الآخرة !

والله هو الذي يحدد من هم ، ويحدد كيف يعاقبهم ، كما قال تعالى : (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ) (إن حسابهم الا على ربي لو تشعرون) فحصر الله حساب الآثمين على الله وحده ، والحصر ينفي غيره  . 

* وأُضيفَ على ما سبق ايضا أن الإنسان ليس حُـرّاً في اختيار دِين من الأديان ، ولا في اختيار الكُفْر ، لأن الكُفر شر وضلال ، وصاحبه في النار

# وأيضا نقول عند من ؟ ومتى ؟

إنه عند الله ، وعقابه في الآخرة ..

* وشبهوا ذلك كما يقول الْمُربِّي لابنه : هذا صواب وهذا خطأ .
وهو – قطعاً – لا يُريد منه اختيار الخطأ .
ولله المثل الأعلى .

# وهذا الكلام ينطبق على الله وليس علينا ، نحن بشر مشغولون بذنوبنا و لسنا الله .. نعم الله لا يريد لعباده الضلال ، لكنه قال : (افنلزمكموها وانتم لها كارهون) .

* و الأمر الثاني الذي ذكروه : أن هذه الآية منسوخة في حق غير أهل الكتاب .

فقد قال الشعبي : هذا في أهل الكتاب لا يُجْبَرُون على الإسلام إذا بَذَلُوا الجزية .
وقد ذَكَر القرطبي في الآية ستة أقوال ، و يُراجَع : الجامع لأحكام القرآن .

# والأحرى أن يراجع القرآن وآياته الصريحة ! والشعبي وغيره لا يقضي على كلام الله المبين الذي يبين كلام الشعبي والقرطبي غيره ، لا أن الشعبي هو الذي يبيّنه ! مع احترامنا لهم ، لكن كلامهم كلام بشر ، وآيات القرآن كلام رب العالمين ، وفي هذا فرق كبير..

الله يقول ( لا معقب لكلماته) وهذا تعقيب . والله يقول : (بل هو قول فصل) اي لا يقبل التأويل ولا التعقيب ولا النسخ ، و إلا لم يكن فصلا .. هذا غير أن الآية لا علاقة لها بتاتا بأهل الكتاب ، فمن اين جاء الشعبي بهذا الرأي على القرآن ؟ هل يصبح معنى (لا) : نعم ؟ الله يقول (لا إكراه في الدين) ، فهل يكون معناها (نعم إكراه في الدين) ؟ هل نقول خلاف ما قال الله وعكسه بحجة رأي فلان او علان من البشر ؟ اين يذهب الإتباع لكلام الله ؟ أليس الدين يؤخذ بالإتباع وليس بآراء الرجال حتى لو كانوا اسلافا ؟ قال تعالى (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) اي بدون تأويل ولا نسخ ولا تعقيب من احد .. فضلا عن ان يكون عكس المعنى وضده ..

لا نريد ان تنطبق علينا الآية : (واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) .. 

* والأمر الثالث : أن دِين الإسلام من الوضوح ، وكونه دِين الفِطرة – أي مُوافِق للفِطَر – لا يَحتاج معه إلى إكراه وإجبار .

وقد قال ابن جُزيّ في قوله تعالى : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) : المعنى أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل يَدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه دون إكراه ، ويدل على ذلك قوله : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) أي قد تبين أن الإسلام رشد ، وأن الكفر غَـيّ ، فلا يَفتقر بعد بيانه إلى إكراه . اهـ .

# و لكن ماذا عن آية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ؟ هل معناها أنها معاكسة للفطرة لأنها تفترض وجود من لا يشاء أن يؤمن ؟ هذا تأويل لا يقف أمام وضوح النص وتكرره في صور متعددة ، و حق النص الواضح الإتباع الواضح ، خصوصا من كلام الله وما والاه من سنة رسوله .. 

* وقد قال ابن كثير : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) : أي لا تُكْرِهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بَيِّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول ، فيه بل من هداه الله للإسلام وشَرَحَ صدره ونوّر بصيرته دَخَلَ فيه على بَيِّنة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يُفيده الدخول في الدين مُكرَها مَقسُورا . اهـ .

# وهذا الكلام لابن كثير متماشي مع وضوح الآية ، وهو مختلف عن مضمون الموضوع السابق الذي يحاول قلب معنى (لا إكراه في الدين) فتكون الآية لا تعني : لا إجبار في الدين .. بينما ابن كثير يقصد بالإكراه الإجبار ..

No comments: