عندما تنتشر على الساحة أخبار عن وفاة شخصيات بارزة ولها مواقف إنسانية ، مثل نيلسون منديلا وغيره من الشخصيات الشهيرة ، و التي تكون غير مسلمة في تدينها ، تظهر على السطح تساؤلات حول : هل يصح للمسلم أن يترحم على مثل هذه الشخصية النبيلة وإن كانت غير مسلمة ؟ ويتداول النقاش في ذلك وعن إمكانيته وعدمها ..
إن كلمات التأبين لمثل هذا الرجل - مانديلا - كانت من حقه ، والله امرنا ان نكون شهداء بالقسط ، بل قال ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا) اي اعدلوا حتى مع الاعداء الذين تكرهونهم ، و نيلسون مانديلا - كمثال - لم يكن من الاعداء ، و قضيته عادلة ، والرجل كافح و سجن سبعا وعشرين سنة لاجل قضية شعبه وليست قضيته هو ، و حارب العنصرية التي تمارس على المسلمين حتى في جنوب افريقيا . ولم يوافق على شروطهم ، و الا لكان حرا . انه شخصية تعلم الناس الصبر والثبات لم نجد مثلها في المسلمين في هذا الزمن مع الاسف ..
ونحن أولى بالحفاوة بالفضيلة من اي مصدر جاءت ، لاننا نحن أمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وديننا جاء رحمة بالعالمين ، ولم يأت لكي يجعل ثلثي سكان الارض اعداء مكروهين ملعونين نجاهرهم بالعداوة بلا سبب ، و بنفس الوقت نريدهم ان يدخلوا في الاسلام !
إن فكرة الكراهية بناء على العرق او الدين او الجنس ليست من الاسلام ، الولاء والبراء ليسا خاصين بغير المسلمين ، إنه ولاء للحق و براء من الباطل ، حتى للمسلم وغير المسلم . فهل يحق لنا ان نوالي الفاجر والماجن والمشعوذ والكذاب والمستغل والمتكبر حتى لو كان يقول لا اله الا الله ؟ الاسلام دين الفضيلة والخلق من اي مصدر جاءت .
أما تحديد عبارة (رحمه الله) فلا ادري ما مصدرها اصلا ، حتى بين المسلمين ، في القرآن لا نجد أصلا ينص على أنه لكل ميت يجب ان يقال عند اسمه "رحمه الله" .. فالدعاء مفتوح وعام . و هل الحي - على ذلك - لا يحتاج الى رحمة ؟ فقط الميت ؟ انظر الى دعاء الوالدين الكبيرين : ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) فيدعى لهما بالرحمة و هم احياء ، وقوله تعالى (وقل رب اغفر وارحم) وهي دعوة عامة . و رسول الله عندما روى عن احد الانبياء قوله (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون) مع انهم رفضوه ..
إن كلمة "العالمين" تعني كل من على الارض ، والاسلام دين عالمي وليس دين سياسي فئوي .. و لا يقوم على مبدأ النبذ و التمييز والاقصاء . انه يقصي الباطل ومن يتشبث به بعد علم ، حتى لو كان مسلما بالإسم . المسألة في الاسلام مسألة حق وباطل ومعروف ومنكر ، وليست مسألة هوية ولا تعصب .. هناك أصحاب مصالح يريدون ان يكون الدين هوية ، ولها تعصب وإقصاء لمن لا ينضم اليها وإخفاء لعيوب من ينضم اليها . بل هناك من يريد عدم ذكر اي فضيلة لفرد غير مسلم ، و هذه مخالفة صريحة لأمر الله و مخالفة لقول الحق الذي امرنا به والصدق , و مخالفة لتشجيع الفضيلة والمعروف الذي جاء الاسلام لرعايتها . و إذا أثنينا على مانديلا او غاندي فنحن لا نثني عليه بكل شيء ، بل نثني على الفضيلة التي تمسّك بها ، فنحن لا نثني على هندوسية غاندي ، بل بمنهجية اللاعنف التي تبناها وعلّمها للعالم والتي استطاع بسببها ان يُخرج المحتلّ بدون دماء و لا أشلاء . كل فضيلة في العالم نحن اولى بها و الاحق بالحفاوة بها .
و لنلاحظ كلمة (رحمة للعالمين) ، فإذا كان ديننا جاء رحمة ، فهل من الغريب أن ندعو للرحمة للعالمين ؟ بل اذا دعينا بالعذاب للعالمين او لأحد من العالمين نكون قد خالفنا القرآن .. هذا الفهم يجعلنا محبوبين من العالم ، والمحبوب هو الاقوى على التأثير من المكروه ، و نحن نريد ان نؤثر فيهم . نحن امة اراد الله لها ان تبغض الباطل من اي مصدر جاء وان تقف مع الحق من اي مصدر جاء . الله امر المؤمنين ان يقاتلوا الفئة التي تبغي من المؤمنين قتالا .. وليس القتال فقط للكافرين .
ومفهوم الكافر كما هو سائد لا يتناسب مع الطرح القرآني ، فالله أثنى على فئات من غير المسلمين ، وقال : (إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا) . وقال عن بعض النصارى : (ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون) ، كل الديانات اصلا اساسها من الله ، وكل ديانات الله هي الاسلام . لكنها تعرضت للتحريف والتغيير . فالدين ليس اختراع بشري ، اي دين ..
و لفظة "كافر" لا تطلق على اي شخص غير مسلم ، هذه النقطة سببت الشك عند الكثيرين في دينهم .. من مثل : هل كل البشر في النار حتى الخيرين منهم الا من قال لا اله الا الله ؟ و كل من قالها في الجنة حتى السيئين منهم؟ حتى يجتمع في الجنة القتيل وقاتله والمظلوم و ظالمه لأنهم كلهم يقولون لا اله الا الله ؟ وغيرها ..
تطلق كلمة "كافر" على من عرف الحق وكفره و اعتدى وظلم ، كما هي صفات الكافرين في القرآن . قال تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم انه يحب المقسطين) ، مثل غاندي ومانديلا هم ليسوا فقط لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا ، بل دافعوا عن المسلمين .. وكان غاندي يصوم عن الطعام أياما و أسابيعاً اذا علم ان الهندوس فعلوا سوءاً بالمسلمين ، وهذا من أسباب قتله ، إذ قتله هندوسي متعصب .. ألا يستحق مثل هذا الشخص البر والقسط كما أمر الله ؟ أما مصيره في الاخرة فلا أحد متأكد من مصيره نفسه في الاخرة أصلا ، لا مسلم ولا غير مسلم ، ولا حتى النبي .. إذ يقول : ( لا ادري ما يُفعل بي ولا بكم) ، هذا وهو رسول الله . وقال تعالى ( ولا تزكوا انفسكم هو أعلم بمن اتقى) تكفينا هذه الاية إذا تأملناها ، والحكم بدخولنا الجنة ودخول غيرنا النار ، تزكية ما بعدها تزكية !
نحن لا نملك لأنفسنا ولا ندري ما يفعل بنا ولا ندري كيف سيكون حساب الله لنا ، إلا رجاء رحمته . و رسول الله يقول (لا يدخل احد الجنة بعمله) قالوا : ولا انت يا رسول الله ؟ قال ( ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمة) . أليس المنافق في الدرك الاسفل من النار والناس تراه يصلي ويصوم ويشهد الخ ؟ اذن الله هو الذي يعلم السرائر ، و الحساب في الاخرة على السرائر لا على المظاهر . والسرائر لا يعلمها الا الله ، قال تعالى (يوم تبلى السرائر) ، ولم يقل : المظاهر . المظاهر تغرنا لكنها لا تغر الله .
المسألة ليست مسألة حجر و حصر معرفة الله لدينا والجنة فقط لنا ، إن الله يُدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذابا أليما .. و لا نحدد لله من يدخل في رحمته ، فالله أدرى بعباده ، والظلم ليس فقط يقع من غير المسلمين .
نحن نعلم ان الله يبلو السرائر ، مهما كانت الشعارات المرفوعة والتي يدعيها الشخص لنفسه ، ويكافئ على الخير ويجازي على الشر في السرائر ، ولا يظلم ربك احدا ، وعلى هذا الاساس ننظر للموضوع ، والله عادل ، وهو أدرى بعباده ، ولا نحجر رحمة الله ولا نسلط عذابه على من نشاء . هذه امور لله .
ثم ، منطقيا : هل يكون للشعارات قيمة اذا كان العمل مخالف لها ؟ طبعا لا ، وهذا عندنا نحن كبشر لا نرضاها ، فما بالك بالله الذي لا يـُخدع ؟ فالله ليس بجاهل حتى نغشه بكلمة (لا اله الا الله) و نفعل الموبقات والسوء ، أو نرفعها ونعمل عكس مضمونها .. هذا تحايل على الله والله خير الماكرين . قال تعالى ( من يفعل سوءا يجز به) ، هذا كلام عام للجميع ، مسلم او غير مسلم ، و قال (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ..
أما أعمال الكافرين التي يجعلها الله هباء منثورا ، فلأنهم لم يعملوها لاجل الخير ، والله اعلم بها ، و الله خلق الجميع المسلم وغير المسلم ورزق الجميع ، وسيحاسب الجميع بناء على السرائر والنوايا والاخلاق . ولم يقل سبحانه أنه لن يرحم الا المسلم ، بل فتح رحمته كما في الاية (الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا ) .. نحن لا نستطيع ان نعرف المسلم بالكامل ، فكيف نعرف ضده ؟ نحن نعرف أن عقائد كل هؤلاء فيها خلل كبير ، ومع ذلك فالقران فتح الباب لهم ، وهذا ينطبق على غيرهم ، بشرط ان يؤمنوا بإله واحد لهذا الكون وهو الله . وهذا كلام الله وليس كلامي . و نفهم منه أنه لن يضيع عملهم الصالح اذا كان لله ، كما قال تعالى ( بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن) .
فالله لا يضيع اجر من احسن عملا ، من الجميع ، لأنه عادل و فاضل . لكنه سيحاسبهم اذا عرفوا الاسلام كما هو بدون تشويهاتنا و رفضوه . ولا يليق بفضل الله أن يردّ فضيلة ، لأن الإسلام نفسه فضيلة ، ولماذا اراد الله لهم ان يكونوا مسلمين إلا لكي تكتمل الفضيلة عندهم بدلا من دياناتهم المشوهة .. و مع ذلك فلو عملوا خيرا في تلك الديانات فلن يضيعه الله ، و أرادوا بذلك الخير وجه الله .. وهكذا يكون دورنا ايجابي في رعاية الفضيلة حتى عند غير المسلمين ، و يجب علينا ان نشكرهم و نثني عليهم كلما عملوا فضيلة طيبة حتى يزدادوا و يصلوا للإسلام الحقيقي و نؤلف قلوبهم ، ألسنا مأمورين بذلك ؟ بل نحن مأمورون بدفع الزكاة لهم من أجل تأليف قلوبهم ، فتخيّل منظر احد يدفع لك المال وهو يعلن كراهيته لك ! بسبب معتقدك الذي ولدت عليه ! إن تغيير المعتقد ليس بالامر السهل ، ولا ياتي بالأوامر فقط ..
هكذا نكون خير امة اخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، اي علينا ان نركز على المعروف والمنكر قبل المعتقدات والكيفيات ، ولا نجعل المعتقد يقف حاجزا بيننا وبينهم ونتعامل معهم مثل القفل : اما ان يكون مفتوح او مغلق ! ولا توجد حالة وسط .
رسالتنا هي رعاية الخير وتطويره حتى يصل الى الخيرية الكاملة في الاسلام و تطبيقه . بدون هذه النظرة لا يكون ديننا عالمي للجميع ولا يكون رحمة للعالمين بل عذاب للعالمين و مصدر عداوة وشر حتى على من لم يُسِئ لنا . الاسلام هو دين المحبة و الانسانية وليس دين الكراهية ، واذا بَرِأنا من أحد ونفرنا منه فليس لانه إنسان ، بل لاجل الباطل الذي يصر عليه .
الاسلام الحقيقي هو كمال الفضيلة والاخلاق ، لأنها تجمعها من كل اقطابها ، فهي أخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات ، وقد يكون عندهم أخلاق مع المخلوقين لكنها أقل مع الخالق ، أو العكس . كما قال رسول الله (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) .
إن الله لا يغفر ان يشرك به ، اي لا يغفر هذا الذنب بذاته ، لان الفطرة والمنطق تدل على وجود اله واحد ، كما قال تعالى (ان الشرك لظلم عظيم ) والشرك يُفعل عن قصد ، اي من تـَقـَصَّد أن يشرك بالله . ثم هل كل من قال (لا اله الا الله) لم يشرك مع الله أحدا في كل حقوق الله ؟ ما أكثر من يقول : الله أكبر ، بينما الدنيا والمصالح اكبر عنده .. بدليل أنه يخالف امر ربه وهو يعلم لأجلها ، فهل هو اكبر ام هي اكبر ؟
المسالة ليست مسألة كلام او شعارات . نحن أمام إله يعلم السرائر وما تخفي الصدور .. هناك من يقول (أنا أعبد الله) ، بينما هو يعبد القوة ، اينما اتجهت اتجه معها !
لو كانت المسألة في توحيد الله فقط لما طالبنا سبحانه بأمور كثيرة اخرى ونهانا عن أمور كثيرة اخرى وغلظ فيها . هذه الأمور الاخرى هي تحقيق لكلمة (لا اله الا الله) و (الله اكبر) ، والكل سيحاسب على شعاراته . قال تعالى (إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا) . والشرك سوء أخلاق مع الخالق و ظلم عظيم ، إذا كان عن وعي و ادراك ، لا عن جهل . فالحساب على النوايا .
عبادة الله وحده لها مطالب كثيرة وليست متحققة في كل المسلمين . و لها صور كثيرة مثل : عبادة الخوف الغيبي من الله وحده ، هناك من يخاف من غير الله في الغيب ، مثل من يخاف من الجن أو العين أو الشياطين والسحرة ، وهذا كله غيب ، مع أن الخوف الغيبي ينبغي أن يكون كله لله وحده ، قال تعالى (ولم يخش إلا الله) . وكذلك الحب ، يجب ان يكون الحب أساسا لله ، و بقية الحب الاخر متفرعا منه ، فلا تحب إلا في الله ولا تكره إلا في الله ، فهل هذا متحقق عند الجميع ؟
ايضا العبودية تقتضي أن تكون حتى الحياة والممات لله ، وليس فقط النسك والعبادة كما يفعل الكثير و يعتقد . فيجعلون حق الله محددا والبقية منطقة مفتوحة ، أوسع من منطقة حق الله .. وقال تعالى (و ابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) فهل الكل يفعل ذلك ؟ الحاصل ان الأغلب يفعل العكس : يبتغي فيما آتاه الله الدار الدنيا وقد لاينسى نصيبه من الآخرة ، هذا إذا لم ينسه بالكامل . والله طيب لا يقبل إلا طيبا ، ولا يُغش ..
كلمة (الله اكبر) ليست بهذه السهولة .. و كل مخادع لله توعده سبحانه بخداعه : (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (يخادعون الله وهو خادعهم) ، من قال كلمة يلتزم بها ، قال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) . فالقول بلا فعل يمقته الله .. و من يرجو خيرا لمن يمقته الله ؟ .. والله توعّد المنافقين ، لماذا ؟ لأنهم قالوا ما لم يفعلوا ، و ادّعوا ما ليس فيهم : (اتخذوا ايمانهم جنة) ، ورفعوا شعارات لم يكونوا على مستواها .. وجعلوا انفسهم في منزلة ليست لهم حقيقة ..
المسلم عليه ناحيتين : عبادة الله و توحيده بالعبادة . وعبادة الله تعني كل الحياة لله ، وليس فقط توحيد الله ، ما قيمة التوحيد بلا عبادة ؟ وما قيمة عبادة بدون ان تكون الحياة كاملة لله ؟ فالله ليس حاكما دنيويا نقدم له ما له ونفرغ لحياتنا ! فحياتنا منه و له ، و حبنا منه و فيه ، وبغضنا فيه وما أوتينا له ، ألسنا عبيد ؟ فهل العبد يخرج عن طوع سيده ؟ إن كان هذا يتحقق في كل من يقول ( لا اله الاالله) فهذا شيء فوق الممتاز ، ولكن مع الاسف ..
No comments:
Post a Comment